القرطبي

269

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السابعة - قول الحالف : لأفعلن ، وإن لم أفعل ، بمنزلة الامر وقوله : لا أفعل ، وإن فعلت ، بمنزلة النهي . ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه : مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه : لان كل جزء منه محلوف عليه . فإن قال : والله لآكلن - مطلقا - فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم ، لادخال ماهية الاكل في الوجود . وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم ، لان مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي عنه في الوجود ، فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث ، والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى : " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " ( 1 ) [ النساء : 22 ] ، فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه ، ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال : [ لا حتى تذوقي عسيلته ] . الثامنة - المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى ، كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم ، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا ، كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته ، لأنها يمين بقديم غير مخلوق ، فكان الحالف بها كالحالف بالذات . روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، وكذلك قال في النار : وعزتك لا يسمع بها أحدا فيدخلها . وخرجا أيضا وغيرهما عن ابن عمر قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم [ لا ومقلب القلوب ] وفى رواية [ لا ومصرف القلوب ] وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة . قال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وإسحق وأصحاب الرأي يقولون : من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة ، وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا . قلت : قد نقل ( في باب ذكر الحلف بالقرآن ) ، وقال يعقوب : من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه . قلت : والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه .

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 103 .